محمد عبد الكريم عتوم
53
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
خلال فقهائها وأمرائها ، لتنزيل مطلوبات الشرع على مقتضيات الحال ، والذي من خلاله تتحقق العصمة للأمة من الخطأ والضلالة ، وتحقيق وحدة القيادة ، وتناسق الحركة ، وتكامل الأدوار ، لأن الغرض الأساسي من السياسة والإمامة " هو جمع الشتات للآراء ، واستتباع أصناف الخلق على تفاوت إراداتهم ، واختلاف أخلاقهم ، ومآربهم وحالتهم ، فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق على الأحوال من اضطراب الآراء ، فإذا لم يكن الناس مجموعين على رأي واحد لم ينتظم التدبير ، ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير " « 1 » . وأهم المسائل التي تتعلق بالإجماع في أمور السياسة هو الإجماع باعتباره حجة في اختيار الإمام . وقد ذهب معظم أئمة المذاهب السنية ، إلى أن الإجماع في عقد الإمامة هو فرض كفاية " إن الإجماع ليس شرطاً في عقد الإمامة ، لأن نصب الإمام المقصود به حفظ الحوزة والاهتمام بمهمات الإسلام ، ومعظم الأمور الخطيرة لا تقبل الريث والمكث ، ولو أخّر النظر فيه لجر ذلك خللًا لا يتلافى " « 2 » حيث إن تخلف القليل عن المبايعة لا يبطل عقد المبايعة " لا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة لا يضر فيه تخلف الواحد أو الاثنين أو الطائفة القليلة ، فإنه لو أعتبر ذلك لم يكن لينعقد إجماع على إمامة " . « 3 » ونلاحظ بأن فقهاء السنة والذين اتخذوا من الإجماع على إمامة أبي بكر باعتباره إجماعاً لكل الأمة ، مرتكزاً للإجماع باعتباره أصلا اجتهاديا ، إلا أنهم لم يشترطوا إجماع كل الأمة على إمامة الإمام لتصح إمامته ، بل اختلفوا ، فمنهم من اشترط حصول " الشوكة والمنعة اللازمة للسلطان ، فإن حصلت بالعدد القليل جاز انعقاد البيعة للإمام " « 4 » . وهي عوامل تؤدي غالباً إلى الاستبداد . والمرجح أن من جوزّوا ذلك ، قد أجروه على حكم الضرورة ودفع الفتنة وإلا فإن الأولى هو النزول على حكم الأغلبية عند الترشيح وعند البيعة . فالأصل هو إجماع السواد الأعظم من أهل الاختيار والعامة على اختيار الإمام . فالبيعة الخاصة بيعة الاختيار ، لأهل الاجتهاد
--> ( 1 ) - الجويني ، 89 . ( 2 ) - الجويني ، 68 . ( 3 ) - ابن تيمية ، منهاج السنة ، ج 4 ، 231 . ( 4 ) - الفرّاء ، الأحكام السلطانية ، 7 .